المسرح البلدي قصة معلمة هدمها الحسن الثاني درات ليه القوق وعمر باليساريين والراديكاليين
"المسرح البلدي"، هو واحد من المعالم التاريخية التي لن ينساها البيضاويون، وهو بعبارة أخرى "ليس مجرد مسرح"، بل كان محجا للراديكاليين واليساريين والشيوعيين، حيث كانوا يعتبرونه صوتا للحق، ومعارضة على نظام الحسن الثاني".
هو عند البعض مجرد بناية مسرح، وعند الكثيرين معنى، مثلما أنه قد كان عند جزء من السلطة مصدر قلق (كونه معملا لصناعة قيم تحررية غير محتملة).
لكنه في الواقع هو العنوان الأجلى، على أن المعركة مغربيا كانت ولا تزال معركة ثقافية، تلك القرينة بمعنى الهوية (كانت الثقافة والهوية بالمغرب مثل قطعة جبن سميكة ولذيذة، صارت اليوم للأسف مبلقنة مثل قطعة جبن غرويير بها ثقوب عديدة كل يخترق منها ليملأها بما يخدم حسابه ومصلحته).
كان اسمه المسرح البلدي، وكانت الصفوف تقف طويلة كي تلج إليه من أجل مسرح مغربي عتيق (ليس بمعنى الزمن بل بمعنى القيمة)، من قبيل "الحراز" و"سلطان الطلبة" (رائعة عبد الصمد الكنفاوي) و"مومو بوخرصة" و"الراس والشعكوكة" (رائعة السعيد الصديقي) و"الأكباش تتمرن" (لأحمد الطيب لعلج) و"ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب" (رائعة الطيب الصديقي) ... وغيرها كثير. مثلما كانت الصفوف تقف طويلة من أجل حضور لقاءات شعرية (أشهرها اللقاءات الشعرية مع الشاعرين الفلسطينيين محمود درويش وأحمد دحبور). وكانت تقف طويلة من أجل سهرات ناس الغيوان والمشاهب وجيل جيلالة.
لي معه محطات بلا عدد، أولها وأنا في 14 من عمري، حين طلبت من والدي أن يأخدني سنة 1978 لحضور حفل لناس الغيوان والثنائي بزيز وباز مخصص ريعه لعائلات الشهداء من الضباط والجنود الذين سقطوا في ساحة الشرف دفاعا عن الصحراء الغربية للمغرب نظمته جريدة "المحرر". وبحث رحمه الله عن بطاقتي دخول جعلتني أسعد بأجواء المسرح البلدي وأنا لا أزال طفلا، وسعدت أكثر برفقة والدي (الذي كما لو أعاد اكتشافي وأنا أردد بحماسة مع ناس الغيوان أغانيهم الخالدة). مثلما كان لي أن أنال حظي من المنع (وعصا الشرطة رفقة أخي وصديقي الناقد محمد معتصم) لحضور أمسية الشاعر أحمد دحبور في شتنبر 1984 إن لم تخني الذاكرة، حيث كان شارع لالة الياقوت مسرحا للكر والفر مع عناصر الشرطة. كان شغبا جميلا. كانت الناس تنال حظها من العصا فقط لأنها جاءت من أجل قصيدة. كان حينها للكلمة معنى ولها ثمن أيضا.
حيا الله أيامك أيها المسرح البلدي وعطر ذكراك. فقد كنت مثل الشط في تلك الأغنية المغربية القديمة "ياك آلبحور شاهدة، عندك خبينا السر، وليك بحنا بالغرام".
هو مجرد حنين وتذكار..
بقلم: ل.العسبي







